٠٩‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١٢:٤٢ م

الوكالة الدولية وأزمة اختلقتها نفسها في البرنامج النووي الإيراني

الوكالة الدولية وأزمة اختلقتها نفسها في البرنامج النووي الإيراني

السؤال الأهم المطروح أمام مجلس المحافظين لا يتعلق بكيفية دفع إيران إلى مزيد من التعاون، بل بكيفية استعادة الثقة المفقودة. فقد أظهرت تجربة العام الماضي أن الضغوط السياسية والعمليات العسكرية لم تؤدِّ إلى تعزيز الشفافية، بل أسهمت في إحداث أكبر فجوة رقابية في تاريخ العلاقة بين إيران والوكالة الدولية.

وكالة مهر للأنباء: انطلقت أمس في فيينا أعمال الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في وقت عاد فيه الملف النووي الإيراني إلى واجهة النقاشات بين الدول الأعضاء. ويتمحور جانب كبير من هذه النقاشات حول التقرير الأخير للمدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، الذي يتحدث عن فجوات جدية في قدرة الوكالة على مراقبة البرنامج النووي الإيراني. غير أن طهران ترى أن هذا التقرير لا يعكس مجرد تقييم فني، بل يكشف عن تناقض واجهته الوكالة خلال العام الماضي.

ويبرز في تقرير غروسي الأخير تركيز واضح على مفاهيم مثل "فقدان إمكانية الوصول"، و"انقطاع استمرارية المعرفة"، و"العجز عن التحقق". وهي مفاهيم تؤكد السلطات الإيرانية أنه لا يمكن تناولها بمعزل عن الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا الواقع. فبحسب الرؤية الإيرانية، فإن الفجوة الرقابية الحالية ليست نتيجة قرار فني أو سياسي اتخذته طهران، بل هي نتاج مباشر للهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية خاضعة لاتفاقات الضمانات، فضلاً عن صمت الوكالة تجاه تلك الاعتداءات.

تناقض تتجاهله الوكالة

تكمن الإشكالية الأساسية، وفق الرؤية الإيرانية، في أن الوكالة تعرب عن قلقها من تراجع قدراتها الرقابية، لكنها لا تتخذ موقفاً واضحاً إزاء الأسباب التي أفضت إلى هذا الوضع. فالمنشآت التي كانت تخضع لسنوات طويلة لرقابة مستمرة من قبل مفتشي الوكالة تعرضت لهجمات عسكرية لم تقتصر آثارها على الأضرار المادية، بل أدت أيضاً إلى تعطيل منظومة المراقبة والتحقق.

وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحفي أمس، أنه إذا كانت الوكالة قلقة من فقدان استمرارية المعرفة بشأن البرنامج النووي الإيراني، فعليها أن تحاسب الجهات التي تسببت في هذا الوضع. وأضاف أن إيران مستعدة لأي تطور وتحتفظ بحقها في الرد المناسب، مشدداً على أن من يطمح إلى تولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة ينبغي أن يتصرف بمسؤولية في مواقفه وأدائه لمهامه على رأس مؤسسة دولية مهمة كوكالة الطاقة الذرية.

وترى طهران أنه لا يمكن تجاهل استهداف منشآت نووية سلمية تابعة لدولة عضو في معاهدة عدم الانتشار، ثم تحميل الدولة نفسها تبعات ما نتج عن تلك الهجمات عبر التشكيك في مستوى الشفافية لديها.

ويزداد هذا الانتقاد حدة عند مقارنة أداء الوكالة في حالات مشابهة حول العالم. إذ يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن رد فعل المدير العام تجاه الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية لم يكن منسجماً مع المعايير المهنية المعتادة للوكالة، الأمر الذي عزز الشكوك بشأن تسييس مقاربتها للملف الإيراني.

من تقرير العام الماضي إلى الحرب.. طريق أوصل إلى المأزق الرقابي

إن مراجعة تطورات العام الماضي تظهر أن الملف النووي الإيراني دخل في دائرة أدت إلى تراجع مستوى التعاون الفني وتصاعد حالة انعدام الثقة بين الطرفين. ففي تقرير الوكالة الصادر العام الماضي، ورغم الإقرار بعدم وجود أدلة على توجه إيران نحو إنتاج سلاح نووي، جرى التركيز على قضايا تتعلق بمواقع غير معلنة والحاجة إلى مزيد من الإيضاحات من جانب طهران.

وقد ساهمت الأجواء السياسية والإعلامية التي رافقت تلك التقارير في زيادة الضغوط الدولية على إيران، قبل أن تدخل الأزمة مرحلة جديدة مع الهجمات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية. واليوم تتحدث الوكالة عن تراجع قدرتها على التحقق، في وقت تعرضت فيه أجزاء مهمة من البنية التحتية الرقابية السابقة للتضرر نتيجة تلك التطورات.

الوكالة لا تتحدث عن "انحراف" البرنامج

ومن النقاط اللافتة في تقرير غروسي أنه، خلافاً لبعض الخطابات السياسية والإعلامية، لم يتضمن أي ادعاء بشأن انحراف البرنامج النووي الإيراني نحو أهداف عسكرية. فالمسألة الأساسية التي يركز عليها التقرير تتمثل في عدم قدرة الوكالة على تقديم تقييم كامل لبعض الأنشطة بسبب محدودية الوصول إلى المعلومات والمواقع اللازمة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية قانونية وفنية كبيرة، لأن هناك فرقاً جوهرياً بين "إثبات الانحراف" و"العجز عن التحقق". وبذلك، فإن التقرير الأخير يعكس في جوهره القيود التي تواجه الوكالة في أداء مهامها الرقابية أكثر مما يقدم معطيات جديدة بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني.

طريق العودة: قرارات تصعيدية أم بناء الثقة؟

وخلال اجتماع مجلس المحافظين، أعادت بعض الدول الغربية طرح احتمال إصدار قرار جديد ضد إيران. غير أن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن إصدار القرارات وحده لا يؤدي إلى توسيع نطاق وصول الوكالة ولا يسهم في معالجة الفجوات القائمة.

فالواقع يشير إلى أن إعادة بناء آليات الرقابة تتطلب شرطين أساسيين: أولهما وجود إرادة سياسية لإعادة الثقة بين إيران والوكالة، وثانيهما توفير الظروف الفنية والأمنية اللازمة لاستئناف عمليات التفتيش بصورة طبيعية. وما دامت طهران تشعر بأن حقوقها النووية وأمن منشآتها لا يحظيان بالحماية الكافية من قبل المؤسسات الدولية، فإن العودة إلى مستويات التعاون السابقة ستظل تواجه تحديات كبيرة.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن السؤال الأهم المطروح أمام مجلس المحافظين لا يتعلق بكيفية دفع إيران إلى مزيد من التعاون، بل بكيفية استعادة الثقة المفقودة. فقد أظهرت تجربة العام الماضي أن الضغوط السياسية والعمليات العسكرية لم تؤدِّ إلى تعزيز الشفافية، بل أسهمت في إحداث أكبر فجوة رقابية في تاريخ العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وهي فجوة لا يمكن ردمها إلا من خلال مقاربة متوازنة ومهنية بعيدة عن الحسابات السياسية.

رمز الخبر 1971450

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha